نخبة من الأكاديميين

267

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

فقد ظل البحر المتوسط وبالرغم من الطرق البحرية الجديدة - يلعب دورًا هامًا في السياسة العالمية ؛ بحيث أضحى محور السياسات الدولية من حول هذا البحر حتى نهاية الربع الثالث من القرن السادس عشر يتمثل في الصراع العثماني الإسباني والذي لم تلعب فيه الدويلات الإسلامية المغربية الضعيفة دورًا أساسيًا بمفردها ؛ حيث إن القوتين المتصارعتين ( العثمانية والإسبانية ) اعتمدتا على العصبيات المحلية في البداية ، إلا أن الصراع بينهما أضحى مباشر بعد ذلك حين قررت الدولة العثمانية ضرورة ضم شمال أفريقيا إلى الإمبراطورية العثمانية بعد أن نجحت في تدعيم قوتها البحرية أمام أساطيل إسبانيا والبندقية . وإذا كانت السياسة العثمانية قد تحركت نحو هذه المنطقة في الوقت نفسه الذي نشطت فيه حركة رجال البحر المغاربة لحماية موانئهم وسواحلهم ولتأمين وصول العرب والمهاجرين من الأندلس ، فإن ذلك التحرك كان على ضوء حساباتها لضرورة تحقيق تفوقها البحري لدعم سلطانها على أوروبا وآسيا وأفريقيا . ويتضح لنا من متابعة التفاعلات خلال امتداد النفوذ العثماني لشمال أفريقيا ( « 1 » عدة أنماط مهمة من العلاقات الدولية بين أطرافها من المسلمين وغير المسلمين . أول هذه الأنماط خاص بالتحالف بين طرف مسلم ضعيف وآخر غير مسلم في مواجهة مسلم قوي ، وانبثق هذا النمط من حالة الضعف الذي اعترى " الدول المغربية " في أوائل القرن السادس عشر م في الوقت نفسه الذي واجهوا فيه كلًا من الإسبان والعثمانيين ، وكان هذا الضعف العام من أهم العوامل التي شكلت أحداث الصراع العثماني الإسباني في حوض المتوسط . ولقد ظلت العصبيات المحلية في شرق ووسط المغرب العربي تحاول توحيد جهودها مع الإسبان خشية النفوذ الجديد لرجال البحر المتحالفين مع العثمانيين ، وكان من أبرز هذه المحاولات استنجاد الحفصيين في تونس بشارل الخامس . ولمدة ربع قرن تقريبًا أدت الخلافات بين الأمراء الحفصيين المتوالين على السلطة إلى تأرجحهم بين التحالف مع الأتراك أو مع الإسبان ، وتوالت المعارك الإسبانية مع خلفاء برباروسا حتى تمكن النفوذ العثماني من تونس 1569 م ، ولم يتمكن هذا النفوذ نهائيًا إلا بعد معركة حاسمة 1574 م حيث أضحت بعدها تونس ولاية عثمانية . ثاني هذه الأنماط خاص بطبيعة العلاقة بين أطراف إسلامية ضعيفة وأخرى قوية في مواجهة تهديد خارجي من طرف غير مسلم ، ويعبر عن هذا النمط العلاقاتُ السعدية - الوطاسية ، والعلاقات السعدية - العثمانية في تشابكها مع علاقات كل من هذه الأطراف مع البرتغال وإسبانيا . فلقد قدمت سياسات " مراكش " - وعلى عكس سياسات بني زيان والحفصيين في الجزائر وتونس - نمطًا آخر من التفاعلات ، وذلك في فترة انهيار حكم الوطاسيين وظهور حكم الأشراف السعديين ( 910 ه - - 1505 م / 960 ه - - 1553 م ) . فالسعديون الذين تصدوا بنجاح لقتال البرتغاليين اتهموا في الوقت نفسه - الوطاسيين بالفشل في وقف التقدم الأوروبي حتى تمكنوا من إسقاط حكمهم ؛ ومن ثم انتقل السعديون إلى تحدي العثمانيين الذين سبق وناصروا الوطاسيين عليهم .

--> ( 1 ) أنظر التفاصيل التاريخية لهذه الجولات والمعارك حول شمال أفريقيا في : H . Inalcik : op . cit . pp . 326 - 328 . P . M . Holt et . al . ( eds ) : op . cit . V 2 . pp . 250 - 254 . ل . ا . سيديو تاريخ العرب العام ترجمة عادل زعتير ، دار إحياء الكتب العربية القاهرة 1976 ه - / 1948 م ، ص ص 353 - 359 . محمد فريد : مرجع سابق ، ص ص 230 - 233 . د . صلاح العقاد : المغرب في بداية العصور الحديثة ، منشورات معهد الدراسات العربية ، القاهرة 1963 ، ص ص 40 - 50 . د . زاهر رياض : شمال أفريقيا في العصور الحديثة ، مكتبة الإنجلو المصرية ، القاهرة 1967 ، ص ص 64 - 80 . محمد العروسي المطوي : الحروب الصليبية في المشرق والمغرب ، دار المغرب الإسلامي ، تونس 1983 ، ص ص 269 - 274 . د . عبده بدوي : حركة الإسلام في أفريقيا ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، القاهرة ، 1970 ، ص ص 77 - 80 . د . محمد مصطفى رمضان : العالم الإسلامي في التاريخ الحديث والمعاصر ، الجزء الأول ، مطبعة الجبلاوي القاهرة 1985 م ، ص ص 26 - 28 . Nevill Barbours : " North West Africa From the 15 th to 19 th Centurie " in : H . J . Kissling et . Al . ( eds ) : op . cit . pp . 102 - 104 .